الأخبار والنشاطات

الطائرة الورقية في كربلاء… إرث الماضي وذكريات الحاضر الضائعة

الطائرة الورقية في كربلاء… إرث الماضي وذكريات الحاضر الضائعة
تم النشر في 2026/02/15 10:30 86 مشاهدة

في كربلاء، لم تكن الطيارات الورقية مجرد لعبة تطير في السماء، بل كانت جزءًا حيًّا من ذاكرة الطفولة وملمحًا أصيلًا من التراث الشعبي الذي رافق أجيالًا متعاقبة من أبناء المدينة.
على الأزقة القديمة وأسُطح البيوت المتلاصقة، كان الأطفال يجتمعون لصنع طياراتهم بأيد صغيرة وقلوب كبيرة، ورق ملون، عيدان خفيفة، وخيط طويلة، وأدوات بسيطة، لكنها كانت كافية لصناعة فرح لا يُنسى، ومع أول هبّة ريح، ترتفع الطيارات كأنها أحلام صغيرة تبحث عن فضاء أوسع.
ارتبطت هذه اللعبة بمواسم الربيع والعطل المدرسية، وفي شهر رمضان المبارك، حيث يتحول سماء كربلاء إلى ساحة تنافس بريء، تتشابك فيها الخيوط وتعلو الضحكات، وكان لكل طيارة اسمها وشكلها، ولكل طفل حكاية انتصار حين ينجح في إبقاء طيارته أعلى من الجميع.
ولم يكن الكبار بعيدين عن هذا المشهد، فالأب أو الأخ الأكبر او العم او الخال كان المعلم الأول لهذه الهواية، يشرح اتجاه الريح وكيفية ضبط الذيل وتحقيق التوازن، لتتحوّل الطيارة الورقية إلى وسيلة لنقل الخبرة والقيم، وتعزيز روح الصبر والمشاركة.
ومع تغير الزمن ودخول الألعاب الإلكترونية، خفت حضور الطيارات الورقية في المشهد اليومي، لكنها بقيت حية في الذاكرة الشعبية، تُستعاد كلما ذُكر الماضي الجميل وبساطته. فهي رمز لطفولة نظيفة وزمن كانت فيه السعادة تُصنع من أبسط الأشياء.
للاطلاع على تاريخ صناعة الطيارات الورقية وأنواعها، أجرى مراسل موقع كربلاء الإخباري عدة لقاءات مع روّاد وصانعي الطائرات الورقية من أبناء مدينة كربلاء، بهدف تسليط الضوء على هذا الإرث الشعبي لمعرفة تفاصيله.
وفي هذا السياق، قال السيد مصطفى محمد زيني، نجل أحد أقدم صانعي الطائرات الورقية في كربلاء، إن هذه المهنة الشعبية تعود لعقود طويلة، وكانت جزءًا من ذاكرة الطفولة الكربلائية، وأضاف أن صناعة الطائرات كانت تتم يدويًا بالكامل باستخدام مواد بسيطة مثل الورق الملون، والقصب او سعف النخيل الخفيف اليابس، والخيط، مشيرًا إلى أن لكل نوع طريقة صنع خاصة بحسب الغاية منه واتجاه الرياح.
وأوضح زيني، أن الطائرات الورقية كانت تختلف في أشكالها وأحجامها، فمنها الصغيرة للأطفال، ومنها الكبيرة المستخدمة في المنافسات الشعبية، مؤكّدًا أن هذه الهواية لم تكن مجرد لعبة، بل كانت تعلّم الصبر والدقة وروح التحدي، وتعكس بساطة الحياة في ذلك الزمن.
كما بيّن الأستاذ يحيى كريم الشروفي من منطقة باب السلالمة أن هواية صناعة الطائرات الورقية تُعد من الهوايات الشعبية القديمة في كربلاء، وقد ارتبطت بذكريات الطفولة وأجواء البساطة التي ميّزت المجتمع آنذاك.
وأضاف، أن تصنيع الطائرة كان يعتمد على مواد أولية بسيطة، فيما كانت مهارة الصانع تحدد جودة الطائرة وقدرتها على التحليق، وأن هذه الهواية شكّلت مساحة للتنافس الشريف وتنمية روح الصبر والدقة والعمل الجماعي.
من جانبه، أوضح الحاج إبراهيم قاسم مجيلي من منطقة العباسية الشرقية، أن الطائرات الورقية كانت تتنوع في أشكالها وأحجامها، ولكل نوع استخدامه وطريقته في التصنيع، ومن أبرز الأنواع التي عُرفت في المدينة هي كلاً:
- ام الطبرة: وسُمّيت بـ “أم الطَبْرة” بسبب شكلها الذي يُشبه الفأس أو “الطَبْرة” عند فردها، أو بسبب حدّة حركتها في الهواء وقدرتها على المناورة السريعة أثناء الطيران، وكانت تُستخدم بكثرة في المعارك الهوائية بين الطائرات الورقية، حيث يسعى كل لاعب إلى قطع خيط الطائرة الأخرى باستخدام خيط مُعالج مثل “الشيشة”.
- ام العلام: وتتميّز أم العلام بشكلها المتوازن وحجمها المتوسط، وغالبًا ما تُزيَّن بعلامات أو خطوط ملوّنة واضحة تُشبه “العَلَم” أو الإشارة، ومن هنا جاءت تسميتها. كما تُعرف بثباتها العالي في الجو وسهولة التحكم بها، ما يجعلها مفضّلة لدى الصغار والكبار على حدّ سواء.⁠
- ⁠ام النص ونص: ُتعد الطائرة الورقية أم النص ونص من الأنواع المعروفة والمحبوبة لدى أبناء مدينة كربلاء المقدسة، وقد ارتبط اسمها بالشكل المميّز الذي يجمع بين نصفين غير متطابقين تمامًا، ما يمنحها طيرانًا مختلفًا وحركة لافتة في السماء.
- ⁠ام الحواض: سميت ام الحواض بهذا الاسم كون الطائرة في منتصفها لون يشبة الحوض المربع الشكل فلذلك سميت ام الحواض.

ويبين المواطن حسين كريم الجبوري من سكنة منطقة باب الخان عن ذكرياته في الطفولة، فقال كنت أشتري الطائرات الورقية من مقهى الحاج عباس منسي الواقع في السوق بالقرب من سوق الدهان حالياً، حيث اذهب مع أصدقائي الصغار لنحلق بها في السماء، نضحك ونركض بلا هم، وكانت تلك اللحظات من أجمل أيام العمر، اما الان ذهبت الايام الجميلة التي لا تعود ثانيتاً.
كما بين المواطن علي محمد سعودي عن انواع واوقات الطائرات الورقية فقال، كنا نصنع الكثير من الطائرات الورقية ذات الذيل القصير، لكونها معروفة في مدينة كربلاء المقدسة، ومن تلك الطائرات (أم الطوابيك، وأم الطبرة، وأم العلام، وأم النص ونص، وام الحواض، وأم الجكري، وغيرها)، وكان موسم الطائرات الورقية يبدأ في غره شهر رمضان المبارك، حيث كنا نمارس هذه الهواية ونحن صائمون، فتتحول السماء إلى لوحة مليئة بالألوان.
واختتم الحاج حيدر فاضل الطويل، من سكنة منطقة العباسية الغربية، حديثه عن ذكريات الطفولة التي كان يقضيها مع الطائرات الورقية، قائلاً: كنت من الروّاد القدماء في المنطقة في إطلاق الطائرات، وكنت معروفًا بصناعة الخيط الخاص المعروف بـ(الشيشة)، والذي يُحضَّر بطحن مادة الكزاز مع الغِرّة، ثم يُهرس المزيج ويُوضع على الخيط العادي ليصبح خيطًا قويًا قادرًا على قطع خيوط الطائرات الورقية الأخرى.
تبقى الطيارات الورقية في كربلاء أكثر من مجرد لعبة، فهي إرث شعبي حي يربط الماضي بالحاضر، ويستحضر بساطة الطفولة وبهجتها في ذاكرة المدينة.
موقع كربلاء الاخباري
تحقيق: مهند العامري