التطرف العنيف ليس سمة أصيلة في المجتمع العراقي، فالعراق على امتداد تاريخه عرف بتنوعه الديني والقومي والثقافي، وعاشت مكوناته الاجتماعية المختلفة جنباً إلى جنب في ظل قيم التسامح والتعايش إلا أن العقود الماضية شهدت ظروفاً سياسية واجتماعية وأمنية أسهمت في خلق بيئة ساعدت على انتشار بعض مظاهر التطرف، الأمر الذي انعكس على الفكر والسلوك، وأوجد تحديات كبيرة أمام مؤسسات الدولة في حماية المجتمع من خطاب الكراهية والعنف.
ورغم حجم هذه التحديات، فإن العراق استطاع تحقيق انتصار عسكري كبير على عصابات داعش الإرهابية، وهو ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة تعتمد على مواجهة الفكر المتطرف من خلال برامج التوعية، وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية، وترسيخ الهوية الوطنية، بمشاركة مختلف المؤسسات الحكومية والمجتمعية.
ومن هذا المنطلق أجرى مراسل موقع كربلاء الإخباري جولة ميدانية داخل شعبة مكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب في ديوان المحافظة
وقال النائب الاول لمحافظ كربلاء المقدسة ورئيس اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف علي حسين عبد الله الميالي، إن “وضع استراتيجية وطنية لمكافحة التطرف العنيف يعد من أولويات الحكومات العراقية، ولا سيما بعد ما عاناه العراقيون من آثار الإرهاب وما خلفه من خسائر بشرية ومادية كبيرة”.
وأضاف أن “العراق حرص على امتلاك رؤية استراتيجية واضحة تتتبع جذور التطرف العنيف، وتدرس مساراته، من أجل الاستعداد لمواجهته والحد من آثاره، ولا سيما بعد خروج البلاد منتصرة في المواجهة العسكرية مع أعنف تنظيم إرهابي شهده القرن الحادي والعشرون، والمتمثل بعصابات داعش الإرهابية”.
وأوضح الميالي أن “الانتصار العسكري، على أهميته، لا يكفي وحده لمنع عودة التطرف، إذ إن معالجة الفكر المتطرف تتطلب جهوداً متواصلة لمعالجة الظروف التي تساعد على ظهوره مجدداً، بما يحول دون استنزاف موارد البلاد البشرية والاقتصادية كما حدث في السنوات الماضية”.
وأكد أن “الاستراتيجية الوطنية تهدف إلى إيجاد بيئة مشجعة للفكر المعتدل والسلوك المنفتح والمتسامح، وترسيخ روح المواطنة، وإعداد مواطن يؤمن بالوسطية والاعتدال وحقوق الإنسان، ويحترم التنوع الثقافي والديني، ويقيم علاقات إيجابية مع أسرته ومجتمعه والعالم”.
وأشار إلى أن “تحقيق هذه الأهداف يتطلب تنسيق جهود مؤسسات الدولة المختلفة، من خلال تضمين أهداف الاستراتيجية ضمن خطط قطاعات التربية والتعليم، والأمن، والثقافة، والإعلام، والاقتصاد، والاتصالات، والسياسة الخارجية، بما يحقق التكامل في تنفيذ البرامج الوطنية لمكافحة التطرف”.
مصطلحات ومفاهيم التطرف العنيف
ويعرف التطرف بأنه تجاوز الاعتدال والوسطية في الفكر أو السلوك، والتمسك بأفكار جامدة ومنغلقة تجاه الآخرين، بما يؤدي إلى رفض الاختلاف والتنوع.
أما التطرف العنيف فهو انتقال هذا الفكر إلى ممارسات تستخدم العنف أو الإكراه المادي والمعنوي لإجبار الآخرين على تبني أفكار أو سلوكيات معينة تخدم أهداف الجهات التي تمارس هذا النهج.
وفيما يتعلق في تنفيذ برامج التوعية على أرض الواقع، أوضح مسؤول شعبة مكافحة التطرف العنيف، الدكتور حسين ماهر سعد، أن “استراتيجية مكافحة التطرف العنيف أُطلقت لأول مرة عام 2016 في جميع محافظات العراق، بهدف إعادة دمج الفئات التي تأثرت بظروف التطرف، ولاسيما العوائل النازحة، والعمل على بناء مجتمع أكثر تماسكاً من خلال ترسيخ قيم العدالة والاعتدال والتعايش السلمي”.
وأضاف أن “محافظة كربلاء باشرت بتنفيذ الاستراتيجية من خلال استحداث شعبة مكافحة التطرف العنيف عام 2021، لتكون الجهة المسؤولة عن تنفيذ البرامج والأنشطة الخاصة باللجنة الفرعية، أعقبها تشكيل عدد من اللجان والروابط الساندة، من بينها رابطة رجال الدين، ورابطة مخاتير الأحياء، ومركز الأسرة والطفل، بهدف توحيد الجهود المجتمعية في نشر ثقافة الاعتدال والحد من مظاهر التطرف”.
وأشار سعد إلى أن “الشعبة تعمل على توعية المجتمع بأن العراق بلد متعدد الأديان والقوميات والمذاهب وأن هذا التنوع يمثل مصدر قوة للمجتمع العراقي، مبيناً أن "برامج التوعية تنفذ بأساليب متعددة، من بينها المسرحيات الوطنية، والرسومات الجدارية، والأنشطة الثقافية التي تسهم في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء وتعريف المواطنين بأهمية المحافظة على مدنهم ومؤسساتهم”.
وأوضح أن “كوادر الشعبة شاركت في العديد من الدورات وورش العمل التي أقيمت في عدد من المحافظات ولاسيما العاصمة بغداد، لاكتساب الخبرات وتبادل التجارب في مجال الوقاية من التطرف العنيف”.
وأكد سعد أن “محافظة كربلاء حققت إنجازاً مميزاً بحصولها على المركز الأول بين المحافظات العراقية لعام 2024 في مجال مشاريع مكافحة التطرف العنيف، وذلك نتيجة تنفيذها عدداً من المبادرات النوعية التي أسهمت في تعزيز الأمن المجتمعي”.
وبين أن “من أبرز هذه المشاريع إنشاء مركز شرطة الأسرة والطفل في قضاء الحر، والذي يعد من المشاريع الرائدة على مستوى العراق، إلى جانب مركز مماثل في بغداد وآخر في إقليم كردستان، فضلاً عن تنفيذ مشروع مكافحة الابتزاز الإلكتروني، ومشروع رصد ظواهر التطرف العنيف، اللذين يستهدفان معالجة الظواهر المجتمعية قبل تحولها إلى تهديدات أمنية”.
وأشار إلى أن “الشعبة تعمل حالياً على تنفيذ مشروعين جديدين، يتمثل الأول في إعداد مسرحية توعوية مخصصة للأطفال خلال عام 2026، فيما يتمثل الثاني في إقامة معرض صور يوثق الجرائم التي ارتكبتها عصابات داعش الإرهابية في محافظة الموصل عام 2014، بهدف توعية الأجيال الجديدة بحقيقة ما خلفه الإرهاب من مأسي ، مبيناً أن المشروعين ما زالا قيد التنفيذ”.
وفي إطار دعم الإدارة المحلية لهذه البرامج، أولى محافظ كربلاء المقدسة المهندس نصيف جاسم الخطابي اهتماماً خاصاً بتعزيز الأنشطة التوعوية، التي تشمل الورش التدريبية الخاصة بشعبة مكافحة التطرف العنيف.
ولم يقتصر دور الشعبة على فئة الشباب فحسب، بل كان للمرأة حضور فاعل في تنفيذ برامج التوعية المجتمعية، من خلال قسم المرأة والأسرة والطفل، بإشراف مديرة القسم الحقوقية ابتسام خضير كاظم الخياط، التي أشرفت على تنظيم وتنفيذ عدد من الورش والأنشطة الهادفة إلى تعزيز الوعي المجتمعي والوقاية من الظواهر السلبية.
توصيات مجلس الوزراء
وانسجاماً مع التوصيات الصادرة عن مجلس الوزراء ، والهادفة إلى تشجيع العمل التطوعي ودعم أولويات اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف، يجري العمل على تشكيل مجموعة شباب العراق التطوعية ضد التطرف في المحافظات.
وتهدف هذه المبادرة إلى استقطاب نخبة من الشباب المعروفين بحسن السيرة والسلوك، ولاسيما طلبة الجامعات والمعاهد، للمشاركة في تنفيذ مبادرات تطوعية تتماشى مع خطط الدولة وبرامجها الخاصة بمكافحة التطرف، على أن يكون عملهم بإشراف مباشر من اللجان الفرعية في المحافظات.
كما تتضمن المبادرة إقامة مهرجان سنوي تنظمه اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب، لاختيار أفضل فريق تطوعي على مستوى العراق، وفق معايير تشمل نوعية المبادرات، وجودة المشاريع، ودقة التنفيذ، بما يسهم في تعزيز روح المنافسة والعمل المجتمعي بين الشباب.
وفي السياق ذاته، أوضح مقرر اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف، المهندس نورس عدنان رزوقي، أن “العراقيين أدركوا منذ وقت مبكر أن جذور الإرهاب الذي استهدف أمن البلاد واستقرارها تكمن في الفكر المنحرف والمتطرف، الذي يستغل الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ليولد بيئة تدفع نحو التطرف العنيف”.
وقال إن “مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الإجراءات الأمنية أو العسكرية، بل تتطلب استراتيجية متعددة الأبعاد تعالج الأسباب التي تؤدي إلى نشوء الفكر المتطرف، مشيراً إلى أن استراتيجية الأمن الوطني لعام 2015 شخصت عدداً من المخاطر التي تسهم في تكوين بيئة مشجعة على التطرف والعنف، من بينها الفساد المالي والإداري، وعدم الاستقرار السياسي، وضعف المنظومة التعليمية، وتراجع التماسك الاجتماعي”.
وأضاف أن “الجمعية العامة للأمم المتحدة شددت، ضمن جهودها العالمية لمكافحة الإرهاب، على ضرورة اعتماد إجراءات متكاملة لمعالجة الظروف المؤدية إلى التطرف العنيف، وهو ما تبناه العراق في استراتيجيته الوطنية”.
أهداف الاستراتيجية
وأكد رزوقي أن “الاستراتيجية الوطنية تسعى إلى بناء بيئة مجتمعية تعزز قيم الوسطية والاعتدال والتعايش السلمي، وترسخ منظومة القيم الحضارية والإنسانية التي عُرف بها المجتمع العراقي عبر تاريخه، مع التأكيد على مبادئ المساواة، والحريات الدينية، وحرية التعبير، واحترام الآخر، بما يخدم المصلحة الوطنية”.
وأضاف أن “من أبرز أهدافها أيضاً نبذ الفكر المتطرف، وخطاب الكراهية، وشيطنة الآخر، والعنف، إلى جانب استكمال الأطر القانونية التي تمنع نشر هذا الفكر أو ممارسته، بما يعزز الأمن المجتمعي ويحافظ على وحدة المجتمع”.
أبرز التحديات
ولفت رزوقي إلى أن “تطبيق الاستراتيجية يواجه عدداً من التحديات، في مقدمتها محدودية إمكانات المؤسسات التربوية والتعليمية والثقافية في ترسيخ ثقافة الاعتدال والتسامح والهوية الوطنية، وتفنيد الأفكار المتطرفة، لاسيما في ظل ظروف الاحتقان السياسي والطائفي، والانفتاح الإعلامي، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وما يرافقها من تداول معلومات وأفكار دون ضوابط كافية”.
وأوضح أن “من بين التحديات أيضاً الحاجة إلى إعداد المعلمين والتدريسيين وتأهيلهم فكرياً وثقافياً ليكونوا قادرين على احتواء بواعث التطرف لدى الطلبة، فضلاً عن زيادة الأنشطة التربوية والإعلامية الهادفة إلى تعزيز ثقافة الحوار والتسامح ونبذ العنف داخل المجتمع”.
وأضاف أن “حداثة دراسة ظاهرة التطرف العنيف في العراق، وعدم اكتمال مفاهيمها، إلى جانب محدودية الدراسات والبحوث المحلية، ونقص الكوادر المتخصصة، تمثل جميعها تحديات تتطلب دعماً أكبر للمراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية، بما يسهم في تطوير آليات الوقاية والمعالجة”.
تعاون مؤسساتي واسع
وتجسد اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف في محافظة كربلاء نموذجاً للتعاون والتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، إذ تضم في عضويتها ممثلين عن قيادة شرطة محافظة كربلاء المقدسة، ومكتب جهاز المخابرات، ومديرية الاستخبارات، ومديرية الأمن الوطني، والعتبتين المقدستين، ورئاسة جامعة كربلاء، والجامعات الأهلية، ورئاسة محكمة استئناف كربلاء، والمديرية العامة للتربية، ونقابة المحامين – فرع كربلاء، واتحاد الحقوقيين – فرع كربلاء، وهيئة الإعلام والاتصالات – فرع كربلاء، وقسم شؤون العشائر والوجهاء والشخصيات، ومنظمات المجتمع المدني، وغرفة صناعة كربلاء، وغرفة تجارة كربلاء، ورابطة السياحة والفنادق والمطاعم، وبرلمان الشباب، وبرلمان الطفل، والنقابات والاتحادات المهنية، ومراكز البحوث والدراسات التخصصية، والجهات الإعلامية الفاعلة، فضلاً عن ممثلي المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة العاملة في المحافظة، التي تنفذ برامج تُعنى بمكافحة التطرف العنيف.
ختاماً يؤكد هذا التكامل بين المؤسسات الأمنية والقضائية والأكاديمية والدينية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني أن مواجهة التطرف العنيف لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت مشروعاً وطنياً يقوم على الشراكة والتنسيق وتكامل الأدوار الى جانب الإجراءات الأمنية، تركز الاستراتيجية على بناء الإنسان، وترسيخ قيم المواطنة والاعتدال والتعايش السلمي، باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية المجتمع من الأفكار المتطرفة وضمان مستقبل أكثر أمناً واستقراراً للأجيال المقبلة.
موقع كربلاء الإخباري
تحقيق/ رغدة الدفاعي


