عندما يضل الإنسان طريقه اليوم، يستخدم الخرائط الرقمية ونظام تحديد المواقع (GPS) للتعرف على الاتجاهات والوصول إلى وجهته، أما في سابق الزمان، وقبل آلاف السنين فقد كان المسافرون يعتمدون على شواخص وعلامات تهديهم في رحلاتهم، ومن بينها منارة موقدة التي تحيط بها الإنارة من جميع جهاتها وسط المدينة، عرفت بمنارة (موجدة) في إشارة إلى النار التي يعتقد أنها كانت توقد في أعلاها ليلاً، لتكون علامة يمكن للقوافل رؤيتها من مسافات بعيدة ووسيلة تساعد المسافرين على معرفة الطريق وسط الصحراء.
وتعد منارة موجدة إحدى محطات أو منازل درب الساعي القديم الذي ارتبط تاريخياً بطرق القوافل والسعاة، وهي شبكات من المسارات البرية الصحراوية التي استخدمتها قوافل التجارة والحج، فضلاً عن السعاة وهم رسل البريد، لنقل الرسائل والبضائع والأوامر السلطانية بين الحواضر الإسلامية والمدن القديمة.
وتميزت هذه الطرق بوجود محطات ومنازل مخصصة للاستراحة والتزود بالماء والمؤن، لتكون محطات مهمة للمسافرين والقوافل التي تقطع مسافات طويلة عبر المناطق الصحراوية.
طريق الساعي.. مسارٌ بري بين الكوفة ودمشق
ويعد طريق الساعي بين الكوفة ودمشق من أقصر وأسرع الطرق التي كان يسلكها سعاة البريد قديماً، إذ يبدأ من الكوفة مروراً بالنجف ثم القطقطانة والنخيب، ويسير بشكل مستقيم عبر البادية حتى يصل إلى بصرى الشام ثم دمشق.
وقد تميز هذا الطريق بقلة وعورته وأرضه الرملية الناعمة التي تسهل هرولة الإبل، الأمر الذي جعله مساراً مهماً لحركة القوافل والسعاة في تلك الحقبة.
وبين تراثٍ وآخر، كان موقع كربلاء الإخباري حاضراً في إبراز أهم مناطق التراث الكربلائي والتعريف بها، منذ نشأتها وصولاً إلى يومنا هذا، ومن بينها منارة موجدة التي ما زالت شاهداً على جانب من تاريخ الطرق البرية القديمة.
منارة للإرشاد وليست مئذنة للصلاة
وقال الباحث في الآثار والمدير السابق لآثار كربلاء المقدسة حسين ياسر العبودي، إن "منارة موجدة لم تكن مئذنة للصلاة، وإنما كانت منارة طريق برية تعمل ضمن منظومة للإرشاد، موضحاً أن آلية عملها كانت تختلف بين النهار والليل".
وبين العبودي أن نهاراً كانت تشعل مواد تصدر دخاناً كثيفاً يمكن للمسافرين رؤيته من مسافات شاسعة، بما يساعد على منع قوافل الحجاج من الضياع، ولا سيما أثناء العواصف الترابية.
أما ليلاً، فكانت النيران تشعل في قمتها وتحديداً في الموقدة، لتضيء البادية وتكون بمثابة بوصلة برية تهدي السابلة إلى محطة الاستراحة.
تاريخ يعود إلى قرون مبكرة
وأضاف العبودي أن "تاريخ بناء المنارة، بحسب ما يراه الباحثون، يعود إلى ما قبل سنة 134هـ/752م، فيما يرى بعض الباحثين وجود ارتباط تاريخي بين حصن الأخيضر وقصر عطشان ومنارة موجدة ويرجعون تاريخ تشييدها إلى سنة 161هـ/780م.
وتكشف هذه الآراء عن الأهمية التاريخية التي اكتسبها الموقع ضمن شبكة الطرق القديمة التي ربطت مناطق مختلفة من العراق وبلاد الشام، وبلاد الفرس وجعلت من المنطقة محطة ذات أهمية للقوافل والمسافرين.
أبعاد وقياسات تحكي تاريخ البناء
وتقوم المنارة على قاعدة مربعة الشكل، يبلغ طول كل ضلع من أضلاعها سبعة أمتار، فيما زينت واجهتها بحنايا صماء متوجة بعقود مدببة وبارتفاع يبلغ (3.5)أمتار، ويبدأ الشكل الأسطواني بالارتفاع من أعلى القاعدة، ليصل ارتفاع المنارة الحالي إلى ثمانية أمتار.
وتحتوي القاعدة المربعة على ثلاثة تجاويف مستطيلة تعلوها عقود، فيما بني بدن المنارة من الآجر المربع الشكل المعروف بالفرشي.
وعلى ارتفاع ثلاثة أمتار من قاعدة المنارة توجد منطقة زخرفية بعرض متر واحد تضم ثلاثة أشرطة زخرفية من الآجر، يشمل الشريطان الأول والثالث زخارف هندسية بأشكال النجمة الرباعية، في حين يظهر في الشريط الثاني، الوسطي، إفريز زخرفي على شكل مثلثات، إذ عمد المعمار إلى التلاعب في وضعيات الآجر لإظهار هذه التكوينات الزخرفية.
منحنيات وسلمها الحلزوني
أما القسم الأعلى من المنارة، فيحتوي على تجاويف بشكل حنيات غير نافذة تبدو على هيئة نوافذ مستطيلة، وهي أقرب ما تكون إلى عنصر المزغل، ويظهر ذلك في الجهة الغربية من المنارة، حيث يوجد تجويف مستطيل الشكل ورأسي، يتسع من الداخل ويضيق من الخارج، كما تحتوي المنارة على مزغل واحد يقع في الجهة الغربية.
وتنتهي المنارة بعقود أسطوانية مشابهة لما هو موجود في قاعدة السلم الذي شيد بشكل حلزوني، يبدأ الارتقاء إليه من أعلى القاعدة، ويرتفع عن الأرض المجاورة بنحو مترين، ويرقى من خلاله إلى قمة المنارة.
ومن خلال فتحة المدخل يمكن الصعود إلى باطن المنارة، وبذلك فعلى الداخل الدوران إلى الأعلى عكس اتجاه عقرب الساعة للوصول إلى أعلى المنارة.
موقع استراتيجي على طرق التجارة والحج
من جانبه، أوضح خبير الآثار عامر عبد الرزاق أن "منارة موقدة أو موجدة تعد من الشواخص الأثرية المهمة في محافظة كربلاء المقدسة، وتبعد عنها نحو 40 كيلومتراً".
و اضاف أن "هذه المنطقة كانت قبل الإسلام طريقاً دولياً تجارياً، وبعد الإسلام أصبحت تعرف بطريق الحج البري، مؤكداً أن المنطقة كانت آنذاك ذات أهمية كبيرة، بوصفها مركزاً تجارياً وموقعاً استراتيجياً".
وأوضح عبد الرزاق أن "المنارة كانت بمثابة دليل يرشد الزائرين الذين يقصدون طريقهم إلى بلاد الشام أو بلاد فارس، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي ضمن شبكة الطرق القديمة".
بين الكنائس القديمة وحصن الأخيضر
وأشار عبد الرزاق إلى أن "المنارة تقع في منطقة تضم عدداً من المواقع الأثرية القديمة، ومنها كنيسة الأقيصر وكهوف الطار وحصن الأخيضر، مبيناً أنها كانت تأخذ شكلاً أسطوانياً، وتوقد فوقها النار لإرشاد الناس والقوافل".
وأكد أن "المنارة تحتاج في الوقت الحالي إلى عمليات تأهيل وصيانة، لما تمثله من قيمة تاريخية وأثرية، ولما يمكن أن تضيفه إلى خارطة السياحة في محافظة كربلاء المقدسة، وانها تستحق أن تكون معلماً أثرياً وسياحياً يستقطب السياح من داخل العراق وخارجه".
ختاماً لم تكن منارة موجدة مجرد بناءٍ قائم وسط البادية، بل كانت في زمنٍ لم تعرف فيه القوافل الخرائط الرقمية ولا وسائل الملاحة الحديثة، علامةً تهدي التائهين، وبين نارٍ كانت توقد في أعلاها ليلاً ودخان يرى نهاراً، أدت المنارة دوراً يتجاوز حجارتها وآجرها، لتصبح جزءاً من ذاكرة طرق التجارة والحج والسفر القديمة.
واليوم، تقف منارة موجدة شاهداً على تاريخٍ طويل مرت به المنطقة، غير أن بقاءها بوصفها معلماً أثرياً لا يرتبط بالحفاظ على حجارتها فحسب، بل بإعادة تقديم قصتها للأجيال وتأهيل موقعها بما يليق بقيمتها التاريخية، لتتحول من شاهد صامت في البادية إلى محطة نابضة في خارطة التراث والسياحة في كربلاء والعراق.
موقع كربلاء الاخباري
تقرير / رغدة الدفاعي



