في الماضي، كانت الواجبات المدرسية تدوّن على صفحات الكتب أو في قصاصات ورقية صغيرة، يحدد من خلالها المعلم الدروس المطلوب تحضيرها لليوم التالي، إلى جانب كتابة الكلمات الجديدة بقلم الحبر الأزرق، لتكون دليلاً للتلاميذ وأولياء أمورهم على ما يتوجب إنجازه من واجبات دراسية.
أما اليوم، فقد اختلف المشهد التعليمي مع التطور التكنولوجي إذ انتقلت الواجبات من الصفحات الورقية إلى المجموعات الإلكترونية (الكروبات)، التي أصبحت وسيلة أساسية للتواصل بين المعلمين والطلبة وأولياء أمورهم، وإرسال التكليفات والمواد الدراسية.
وبين إيجابيات هذا التحول وسلبياته، برزت إشكالية توقيت إرسال الواجبات، ولا سيما عندما تصل إلى الطلبة في ساعات متأخرة من الليل بعد أن يكونوا قد أنهوا واجباتهم اليومية، الأمر الذي قد يربك جدولهم الدراسي ويزيد من الأعباء الملقاة على عاتقهم.
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة التربية توجيهاً يقضي بعدم تكليف التلاميذ والطلبة بالواجبات المدرسية خارج أوقات الدوام الرسمي أو خلال أيام العطل، في خطوة تهدف إلى تنظيم العملية التعليمية وتحقيق التوازن بين التحصيل الدراسي وحق الطلبة في الراحة.
وفي هذا التحقيق، نسلط الضوء على أبعاد القرار وانعكاساته، ونستطلع آراء المسؤولين والتدريسيين وأولياء الأمور والطلبة في محافظة كربلاء المقدسة.
الواجبات ضمن اليوم المدرسي وحق الطالب في الراحة محفوظ
قال المعاون الفني للمديرية العامة للتربية في محافظة كربلاء المقدسة، الدكتور جواد ضايع المسلماوي، إن "توجيه وزارة التربية القاضي بمنع تكليف التلاميذ والطلبة بالواجبات المدرسية بعد انتهاء الدوام الرسمي أو خلال أيام العطل، يأتي في إطار تنظيم العملية التعليمية ومراعاة الجوانب النفسية والصحية للمتعلمين، بما يتيح لهم الوقت الكافي للراحة والتواصل الأسري وممارسة أنشطتهم اليومية".
وأوضح المسلماوي أن"التوجيه لا ينبغي النظر إليه بوصفه استجابة لشكاوى بعض أولياء الأمور، إذ لم تشر الوزارة في بيانها إلى ذلك، وإنما باعتباره توجهاً تربوياً يهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التحصيل الدراسي وحق التلميذ والطالب في الحصول على وقت كافٍ للراحة خارج البيئة المدرسية".
وأشار إلى أن "الوزارة حددت ضرورة حصر الواجبات والأنشطة المدرسية ضمن وقت الحصة الدراسية واليوم المدرسي الفعلي، مبيناً أن ذلك لا يعني منع إرسال الدرس أو المحاضرة التي جرى شرحها في اليوم نفسه، لأغراض اطلاع الطلبة وأولياء أمورهم على المادة الدراسية التي تناولها التدريسي وترسيخها في أذهانهم".
وأضاف أن "تخفيف الأعباء عن الأسر والتلاميذ يمثل أحد الجوانب المهمة التي يحققها هذا التوجيه، ولا سيما في ظل ما قد تسببه كثرة التكليفات خارج أوقات الدوام من أعباء إضافية على أولياء الأمور، فضلاً عن أهمية منح الطلبة مساحة مناسبة للتفاعل الأسري والاجتماعي".
وأكد أن "التوجيه الوزاري يشمل المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، وأن مسؤولية الالتزام به تقع على إدارات المدارس كافة في المحافظة، بما فيها المدارس الأهلية، لضمان تطبيقه بصورة موحدة وعدم تحميل الطلبة واجبات أو أنشطة مدرسية خارج الأوقات المحددة".
التعليم الإلكتروني مجموعات التواصل ليست وسيلة للتكليف خارج الدوام
من جانبه، أوضح مسؤول وحدة التعليم عن بعد في المديرية العامة للتربية بمحافظة كربلاء المقدسة، الأستاذ أحمد الخالدي أن "دور الوحدة في هذا الجانب يرتبط بمتابعة استخدام الوسائل والمنصات الإلكترونية الرسمية المعتمدة من قبل الوزارة في المؤسسات التربوية، مشيراً إلى أن توظيف التكنولوجيا في التعليم ينبغي أن يكون منسجماً مع الضوابط والتعليمات الوزارية".
وأضاف الخالدي أن "التوجيه يشمل الواجبات المدرسية التي ترسل عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، ولا يعني منع إرسال المادة الدراسية التي قام الأستاذ بشرحها، أو مشاركتها مع الطلبة لإثراء الموضوع وترسيخه في أذهانهم بعد شرحه".
إدارات المدارس بين الالتزام بالتعليمات واحتياجات التلاميذ
افادت مديرة المدرسة زينة يحيى عمران أن "منع إرسال الواجبات عبر المجموعات الإلكترونية قد ينعكس سلباً على متابعة بعض التلميذات لواجباتهن المدرسية".
وقالت إن "بعض التلميذات أصبحن لا يعرفن الواجبات المطلوبة منهن، مع تشتت انتباههن، الأمر الذي يجعل إرسال الواجبات إلى أولياء الأمور وسيلة مهمة لمتابعة المستوى الدراسي".
وأضافت أن المدرسة لم تطبق القرار بصورة تمنع التواصل الإلكتروني، وإنما جرى توجيه المعلمات إلى نشر الواجبات في وقت مبكر وعدم تأخير إرسالها إلى ساعات متأخرة، بما يضمن اطلاع الأهالي عليها ومساعدة بناتهم على إنجازها".
وفي قراءة للواقع التعليمي داخل المدارس ترى التدريسية نسرين علي الطائي أن "قرار وزارة التربية بمنع إرسال الواجبات البيتية خارج أوقات الدوام الرسمي يحمل جانباً إيجابياً مهماً، كونه يحفظ وقت الأسرة وراحة الطلبة، ويضع حداً لإرسال الواجبات الإلكترونية في ساعات متأخرة من الليل، وهي ممارسة تحدث من بعض المعلمين والمدرسين".
و أشارت الطائي إلى أن "تطبيق القرار يحتاج إلى مرونة ومراعاة للواقع التعليمي، مبينة أن عدم توفر خدمة الإنترنت في المدارس قد يجعل إرسال الواجبات خلال الدوام أمراً صعباً، فضلاً عن كثرة الحصص الدراسية وضيق الوقت لدى بعض المعلمين والمدرسين، الذين لا يجدون أحياناً وقتاً كافياً للاستراحة".
أولياء الأمور نريد وقتاً يحفظ راحة أطفالنا
أما على مستوى الأسرة، فتقول أم ليان، وهي والدة طالبة في الصف الثالث الابتدائي، إنها "تعاني من مشكلة إرسال الواجبات المدرسية عبر المجموعات الإلكترونية في أوقات متأخرة من الليل، رغم أن ابنتها تكون قد أنهت واجباتها، لتتفاجأ بعد ذلك بواجبات جديدة"
وأضافت أنها "تتفهم حرص بعض المعلمات على المستوى الدراسي للطلبة، لكنها تطالب بمراعاة وقت الطفل وراحته وأن تكون الواجبات محددة ضمن أوقات الدوام الرسمي، حتى يتمكن التلميذ من إنجازها دون ضغط أو إرباك لجدوله اليومي"
الطلبة: الواجبات المتأخرة تسبب التوتر والإحباط
ولم يقتصر أثر القرار على أولياء الأمور والكوادر التعليمية، بل امتد ليشمل الطلبة أنفسهم، إذ أشاد الطالب في المرحلة الإعدادية حيدر الكرار بالقرار معتبراً أنه "يصب في مصلحة الطالب، ولا سيما أن بعض المدرسين كانوا يرسلون الواجبات في أوقات متأخرة، الأمر الذي يسبب الإحباط ويولد مشاعر التوتر والقلق لدى الطلبة"
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن "بعض المدارس لا تزال غير ملتزمة بهذا التوجيه التربوي، الأمر الذي يستدعي متابعة تطبيقه لضمان تحقيق الغاية المرجوة منه"
اما الطالبة في المرحلة المتوسطة دعاء قحطان بينت "نحن كطلبة نؤيد قرار عدم إعطاء الواجبات المدرسية بعد انتهاء الدوام الرسمي، ونرى أنه خطوة مهمة نحو تخفيف الأعباء الدراسية عن الطلبة، إذ يقضي الطالب ساعات طويلة داخل المدرسة بين الدراسة والتركيز وتلقي المعلومات، ويحتاج بعد عودته إلى المنزل إلى الراحة واستعادة نشاطه وممارسة حياته الشخصية والاجتماعية".
وتابعت إن "هذا القرار لا يعني التقليل من أهمية التعليم أو التحصيل العلمي، بل يسهم في تحقيق التوازن بين حق الطالب في التعلم وحقه في الراحة، كما يمنحه فرصة لاستثمار وقته بصورة أفضل، بعيداً عن الضغوط الدراسية المستمرة طوال اليوم".
بين التكنولوجيا وحق الراحة.. أين تكمن المعادلة؟
وبين مؤيد يرى في القرار خطوة مهمة لحماية وقت الطالب وراحته النفسية وآخر يخشى أن يؤدي تطبيقه إلى إرباك عملية المتابعة المنزلية، تبقى القضية مرتبطة بآلية تنظيم الواجبات وتحديد أوقاتها لا بالتخلي عن الوسائل الإلكترونية التي أصبحت جزءاً من المنظومة التعليمية.
فالتكنولوجيا التي اختصرت المسافات وسهلت التواصل بين المدرسة والأسرة يمكن أن تكون وسيلة فاعلة في دعم العملية التعليمية متى ما استخدمت ضمن ضوابط واضحة، بعيداً عن تحويلها إلى مصدر ضغط يومي على الطلبة وأولياء أمورهم.
ويبقى نجاح توجيه وزارة التربية مرهوناً بالتزام إدارات المدارس والكادر التعليمي بمضمونه، وتوفير بيئة تعليمية تراعي احتياجات جميع الأطراف، ليحصل الطالب على حقه في التعلم دون أن يحرم من حقه في الراحة والحياة الأسرية.
موقع كربلاء الإخباري
تحقيق / رغدة الدفاعي



